محمد بن جرير الطبري
47
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بأيديهما فرقة ، ولا يملكان ذلك . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن قيس بن سعد ، قال : سألت عن الحكمين ، قال : ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ، فما حكم الحكمان من شيء فهو جائز ؛ يقول الله تبارك وتعالى : إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما قال : يخلو حكم الرجل بالزوج ، وحكم المرأة بالمرأة ، فيقول كل واحد منهما لصاحبه : اصدقني ما في نفسك فإذا صدق كل واحد منهما صاحبه اجتمع الحكمان وأخذ كل واحد منهما على صاحبه ميثاقا لتصدقني الذي قال لك صاحبك ، ولأصدقنك الذي قال لي صاحبي فذاك حين أرادا الإصلاح يوفق الله بينهما ، فإذا فعلا ذلك اطلع كل واحد منهما على ما أفضى به صاحبه إليه ، فيعرفان عند ذلك من الظالم والناشز منهما ، فأتيا عليه ، فحكما عليه . فإن كانت المرأة قالا : أنت الظالمة العاصية ، لا ينفق عليك حتى ترحمي إلى الحق وتطيعي الله فيه . وإن كان الرجل هو الظالم ، قالا : أنت الظالم المضار لا تدخل لها بيتا حتى تنفق عليها وترجع إلى الحق والعدل . فإن كانت هي الظالمة العاصية أخذ منها مالها ، وهو له حلال طيب ، وإن كان هو الظالم المسئ إليها المضار لها طلقها ، ولم يحل له من مالها شيء ، فإن أمسكها أمسكها بما أمر الله وأنفق عليها وأحسن إليها . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يبعث الحكمين : حكما من أهله وحكما من أهلها ، فيقول الحكم من أهلها : يا فلان ما تنقم من زوجتك ؟ فيقول : أنقم منها كذا وكذا . قال : فيقول : أفرأيت إن نزعت عما تكره إلى ما تحب ، هل أنت متقي الله فيها ومعاشرها بالذي يحق عليك في نفقتها وكسوتها ؟ فإذا قال نعم ، قال الحكم من أهله : يا فلانة ما تنقمين من زوجك فلان ؟ فتقول مثل ذلك ، فإن قالت : نعم ، جمع بينهما . قال : وقال علي رضي الله عنه : الحكمان بهما يجمع الله وبهما يفرق . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : قال الحسن : الحكمان يحكمان في الاجتماع ، ولا يحكمان في الفرقة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وهي المرأة التي تنشز على زوجها ، فلزوجها أن يخلعها حين يأمر الحكمان بذلك ، وهو بعد ما تقول لزوحها : والله لا أبر لك قسما ، ولآذنن في بيتك بغير أمرك : ويقول السلطان : لا نجيز لك خلعا . حتى تقول المرأة لزوجها : والله لا اغتسل لك من جنابة ، ولا أقيم لك صلاة ، فعند ذلك يقول السلطان : اخلع المرأة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ قال : تعظها ، فإن أبت وغلبت فاهجرها في مضجعها . فإن غلبت هذا أيضا فاضربها . فإن غلبت هذا أيضا ، بعث حكم من أهله وحكم من أهلها . فإن غلبت هذا أيضا وأرادت غيره ، فإن أبي كان يقول : ليس بيد الحكمين من الفرقة شيء ، إن رأيا الظلم من ناحية الزوج قالا : أنت يا فلان ظالم ، انزع فإن أبى رفعا ذلك إلى السلطان ، وإن رأياها ظالمة قالا لها : أنت ظالمة ، انزعي فإن أبت رفعا ذلك إلى السلطان ، ليس إلى الحكمين من الفراق شيء . وقال آخرون : بل إنما يبعث الحكمين السلطان على أن حكمهما ماض على الزوجين في الجمع والتفريق . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها فهذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما ، فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل ، ومثله من أهل المرأة ، فينظران أيهما المسئ ، فإن كان الرجل هو المسئ حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة ، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ، ومنعوها النفقة . فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا ، فأمرهما